هذا المشروع هو القطعة النهائية لي في دورة الخشب أثناء دراستي بالمعهد، حيث كانت تهدف هذه الدورة إلى تعلم وتطبيق تقنيات النجارة الأساسية مع استكشاف العلاقة بين المادة، والهيكل، والوظيفة.
ولقد قمت بتصميم هذا المقعد وتنفيذه بالكامل يدويًا، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من أدوات وعمليات النجارة التقليدية، كما تعلمت من خلال عملية التصنيع كيفية اختيار الخشب، وقياسه، وقطعه، وتجميع قطعه الصلبة بدقة، وقد نلاحظ في هذا المقعد أنه يجمع بين الأسطح البسيطة المستوية والأرجل المخروطية ذات التفاصيل الأكثر تعقيدًا، مما يلقى الضوء بوضوح على دراستي التفصيلية للتباين بين الأشكال الهندسية المسطحة والأشكال الطبيعية الإنسيابية.
تم تنفيذ الوصلات باستخدام أساليب النجارة التقليدية، والتي تتطلب تخطيطًا دقيقًا واهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل لضمان الثبات وطول العمر دون الاعتماد على المثبتات المعدنية، فقد ساعدني هذا النهج اليدوي بالكامل على فهم أعمق للخشب باعتباره مادة حيّة، وكيف يؤثر اتجاه الألياف والرطوبة على عملية التصنيع، وكيف يمكن للحرفية الواعية أن تُبرز الجمال الطبيعي للخشب.
تم تصميم المقعد بمظهره النهائي لتلبية أغراض عدة، حيث يمكن استخدامه كمقعد أو طاولة منخفضة أو كقطعة ديكور مميزة، مما يدعو الأشخاص للتجمع أو الراحة أو استخدامه بمرونة في مساحة المعيشة أو العمل، ولقد أضاف لي هذا المشروع المزيد من الخبرة مما عزز مهاراتي اليدوية، وقدراتي على حل المشكلات، وكذلك تقديري للموازنة بين خيال التصميم وواقع الخامة المستخدمة.
بدأت المشروع بسلسلة من الرسومات المبدئية مستعرضاً فيها النسبة الإجمالية وشكل الأرجل، وتفاصيل النجارة وطريقة البناء، كما ركزت على خلق إيقاع بصري متوازن من خلال دمج الأسطح المستوية مع الأشكال المخروطية والعضوية للأرجل والدعامات.
ومضيت قدماً خلال هذه المرحلة واضعاً في اعتبارى كيفية تصنيع كل جزء، وتجميعه، وربطه يدويًا، كما اكتشفت أشكالًا مختلفة لتشكيل الأرجل باستخدام المخرطة، واختبرت دقة الأبعاد لتحقيق الثبات والراحة، بالإضافة إلى تحديد موقع الدعامات لضمان السلامة الهيكلية للمقعد.
ساعدتني تلك الرسوم التخطيطية المبدئية على استيضاح العلاقة بين كلٍ من السطح العلوي، والأرجل الأربعة، ودعامات المقعد، كما أرشدتني في اتخاذ القرارات المتعلقة باختيار المواد واستخدام الأدوات لاحقًا.
في المرحلة الأولى من التنفيذ، اشتريت قطعة من خشب الصنوبر الأصفر الجنوبي من متجر محلي، وذلك بهدف تجربتها في أعمال الخراطة والنجارة، لكنني سرعان ما أدركت أن الخشب كان رطبًا، مما جعله ثقيلًا جدًا وغير مناسب للعمل على المخرطة، وهذا لأن محتوى الرطوبة العالي كان من الممكن أن يتسبب في مشاكل أثناء الخراطة والتجميع.
بعد مناقشة هذا الأمر مع أستاذي نصحني باستخدام الخشب الصلب المجفف بالفرن بدلاً من الخشب السابق، حيث يعتبر الخشب الصلب أكثر ثباتاً ومتانة وأكثر ملاءمة لصناعة الأثاث، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالنجارة والخراطة الدقيقة.
ولقد علمتني هذه التجربة من خلال المحاولة والخطأ أهمية اختيار المادة المناسبة بمستوى الرطوبة الصحيح، وإلى أي مدى قد يؤثر نوع الخشب بشكل مباشر على عملية التصنيع، وبالتالي على جودة القطعة النهائية.
من أجل تشكيل أرجل المقعد، بدأت بقص أربع قطع من الخشب الصلب على شكل مستطيلات بأبعاد تقريبية متشابهة باستخدام المنشار الشريطى، ولقد كانت الدقة ضرورية في هذه المرحلة، وهذا لضمان أن تبدو جميع الأرجل متوازنة بعد تشكيلها على المخرطة.
بعد ذلك، قمت بتحديد المركز على كل قطعة، ثم قمت بعمل ثقوب إرشادية لمساعدتي في تثبيت الخشب بإحكام على المخرطة، علماً بأن تحويل القطع الخشبية الخشنة إلى أسطوانات نظيفة وناعمة يتطلب الصبر والعمل اليدوي الدقيق، إضافةً إلى أنني كنت أتحقق باستمرار من القطر والشكل باستخدام الفرجار والمسطرة للحفاظ على التناسق بين الأجزاء.
بعد الإنتهاء من تشكيل الأسطوانات الأساسية، استخدمت المخرطة مرة أخرى لنحت أشكال الأرجل النهائية بعناية استنادًا إلى رسوماتي، ولقد علّمتني هذه الخطوة كيفية التحكم في أدوات المخرطة، والحفاظ على التناسق، وتقدير الحرفية وراء تقنيات الخراطة التقليدية.
بعد الإنتهاء من تشكيل الأرجل الأربع، انتقلت إلى صنع أربع دعامات باستخدام نفس طريقة التشكيل بواسطة المخرطة، وكان من الضروري قياس كل دعامة بدقة وتشكيلها بالمخرطة بحيث تتماشى مع التصميم العام مع التأكد من ملائمة الوصلات وإحكام تثبييتها مع أرجل المقعد.
وقد نجد هنا أن وظيفة الدعامات لا تقتصرعلى ربط الأرجل فحسب، بل توفر أيضًا دعماً هيكلياً أساسياً لمنع الاهتزاز وتعزيز ثبات المقعد، ومن أجل هذا قمت بتجربة أشكال ومواضع مختلفة للدعامات بهدف تحقيق توازن بصري وقوة بنيوية موثوق بها.
قبل قيامى بربط الوصلات ربطاً نهائياً، قمت بعمل تجميع تجريبي بدون إضافة غراء للتحقق من توافق جميع الأجزاء معًا، وقد كانت هذه الخطوة ضرورية لتحديد أي تعديلات لازمة سواء بالنسبة للوصلات الخشبية (اللسان) أو الفتحات لضمان ملائمتها بإحكام معاً، وكم كانت لحظة ممتعة مليئة بالرضا حين شاهدت هيكل المقعد مجمعاً لأول مرة، مما عزز لدي أهمية التخطيط الدقيق والدقة في كل خطوة من خطوات عملية التصنيع.
في بادئ الأمر، كنت أُخطط لبناء هيكل السطح العلوي باستخدام أربعة شرائط خشبية متصلة ببعضها، ثم ملء السطح بنمط منسوج مستوحى من تقنيات النسيج التقليدية، وكان الهدف من هذه الفكرة هو إبراز التوازن بين الإطار الخشبي الصلب والمادة المرنة الممتدة.
ولتحقيق هذه الفكرة كنت بحاجة إلى حفر أربعة ثقوب دقيقة في كل شريط خشبي، إثنان لتوصيل العوارض الطويلة واثنان لتوصيل العوارض القصيرة، ولكن عند بدء الحفر لعمل الثقوب أدركت أن مثقب الحفر تسبب في انقسام الشريط الخشبي الضيق بالكامل.
هذا الكسر غير المتوقع علمني درسًا مهمًا حول السلامة الهيكلية، وهو أن حتى التصميم المخطط له بعناية يمكن أن يفشل إذا لم تؤخذ سماكة المادة وقوتها بعين الإعتبار بالنسبة لطريقة وصل القطع، مما دفعني ذلك إلى إعادة التفكير في كيفية بناء سطح الطاولة والتكيف مع حدود المادة وإمكانياتها.
بعد فشل فكرة النسيج السابقة، قررت تبسيط تصميم سطح الطاولة والإنتقال لاستخدام ألواح خشب الكرز الصلب للحصول على سطح أكثر ثباتًا ومتانة، فذهبت إلى المتجر واخترت لوحين من خشب الكرز عالي الجودة.
أولاً، لصقت الألواح حافة بحافة مستخدماً غراء الخشب، ثم قمت بتثبيتها بالمشابك وتركتها حتى تجف لمدة ساعتين، وبعد أن جف الغراء قمت باستخدام مقشطة النجارة (فارة النجار) لتنعيم السطح وضمان تساوي الألواح وانسجامها للحصول على سطح انسيابي ومتكامل.
بعد ذلك قمت بتنعيم الحواف باستخدام ورق صنفرة بدرجة خشونة 60، وذلك لجعل الزوايا مستديرة وإزالة أي خشونة أو نتوءات، ومن أجل الحصول على لمسة نهائية ملساء ومصقولة، قمت بصنفرة سطح الطاولة على مراحل متعددة مستخدمًا في ذلك ورق صنفرة بدرجات 100، ثم 160، ثم 320، وأخيرًا 400.
هذا العمل الدقيق أظهر جمال الأنسجة الطبيعية للخشب ودفء خشب الكرز، مما أعطى القطعة مظهرًا أنيقًا وجذابًا.
في المرحلة النهائية، قمت بتجميع جميع المكونات بعناية لاستكمال هيكل المقعد، كما استخدمت منشارًا يابانيًا لقطع أي زوائد في الوصلات الخشبية والأوتاد، وذلك لضمان الحصول على تشطيب نظيف ومستوٍ عند كل وصلة.
ومن أجل تعزيز الوصلات، صنعت ثمانية أوتاد خشبية صغيرة وأدرجتها في وصلات الدعائم، حيث ساعدت هذه التقنية التقليدية في إحكام التوصيلات، مما أضاف مزيدًا من الثبات والمتانة للقطعة بأكملها دون الحاجة إلى أدوات تثبيت معدنية.
بعد الإنتهاء من تثبيت الهيكل، بدأت بعملية التشطيب النهائي للأسطح فاستخدمت ورق الصنفرة تدريجيًا، بدءًا من درجة خشونة 100 وحتى 800، وذلك لتنقية الأسطح وتحقيق ملمس ناعم ومريح، ولقد ساهمت هذه الخطوة في إبراز أنسجة الخشب الطبيعية ومنحت المقعد الطابع الدافئ المميز للصناعة اليدوية.
لحماية المقعد وإبراز دفء خشب الكرز، قمت بتشطيب القطعة بالكامل بزيت أوزمو بوليكس-أويل، وهو زيت شمعي صلب مشهور بلمساته الطبيعية والدائمة.
وقبل إضافة كل طبقة، تأكدت أولاً من أن السطح خالٍ تمامًا من الغبار عبر مسحه بقطعة قماش لاصق نظيف، ثم استخدمتُ قطعة قماش قطنية خالية من الوبر لوضع طبقة رقيقة ومتساوية من الزيت على جميع الأسطح متتبعاً اتجاه أنسجة الخشب الطبيعية لضمان مظهر متناسق.
وما بين إضافة كل طبقة وأخرى، تركت الزيت ليجف ويتماسك لمدة تتراوح بين 8 الى 12 ساعة، وذلك حسب درجة حرارة الرطوبة في الورشة، وبين كل إضافة من الطبقات قمت بصنفرة السطح بلطف باستخدام ورق صنفرة بدرجة خشونة 400 لإزالة أي أنسجة مرتفعة أو جسيمات غبار صغيرة، مما يهيئ سطحاً ناعماً للطبقة التالية.
وقد كررت هذه العملية أربعة مرات في المجمل، حيث تساعد الطبقات المتعددة على تكوين سطح قوي مقاوم للرطوبة مع السماح في الوقت ذاته لملمس الخشب الطبيعي بالتنفس، بالإضافة إلى الحفاظ على مظهره الجميل مع مرور الزمن، كما تمنح هذه الخطوة النهائية المقعد لمسة نهائية لطيفة تشبه الساتان في البريق والنعومة وتبرز عمق تفاصيل أنسجة الخشب الطبيعية، كما تضيف إلى متانته لتحمل الاستخدام اليومي.
يمثل هذا المقعد بمظهره النهائي أول تجربة مكتملة لي في ممارسة تقنيات النجارة التقليدية، وذلك بدءًا من اختيار الخامات والتدوير وصولًا إلى التوصيل والتشطيب، فمن خلال هذا المشروع، لم أقم بتطوير مهاراتي اليدوية فحسب بل تعلمت أيضًا كيف أقوم بتعديل أفكاري التصميمية لمواجهة أي تحديات غير متوقعة.
وفي النهاية أقدم عميق الشكر والتقدير لكل من وجهني ودعمني خلال هذه التجربة، وخاصة أستاذي وزملاء الدراسة بالمعهد، كما أشكركم جميعاً على تخصيص وقتكم للإطلاع على مشروعي، آمل أن تكونوا قد استمتعتم بمتابعة رحلتي بقدر ما استمتعت بصنع هذه القطعة.
تسجيل الدخول مطلوب
يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق.
تسجيل الدخول